رياضة المشي: 7 فوائد صحية مذهلة لصحتك النفسية والجسدية

رقم 10 آلاف خطوة، الذي تذكّرك به الساعة الذكية كل مساء، لم يولد في مختبر علمي. وُلد في اليابان منتصف الستينيات مع حملة تسويقية لعدّاد خطوات، لأن الرقم بدا جميلًا وسهل الحفظ،الطريف أن العلم عاد بعد عقود ليختبر الفكرة، فوجد أن المشي يستحق شهرته فعلًا، حتى لو لم يكن الرقم سحريًا كما رُوّج له. وفي هذا المقال نجمع فوائد رياضة المشي التي تدعمها الأبحاث، ونضيف إلى كل فائدة ما تغفله قوائم النصائح السريعة عادةً: كيف تمشي لتحصل عليها فعلًا.

قبل الفوائد: كم خطوة تحتاج حقًا؟

جمعت دراسات حديثة بيانات عشرات الآلاف من البالغين في دول مختلفة، وتابعت عدد الخطوات اليومية لديهم سنوات طويلة. وكانت النتيجة أن خطر الوفاة المبكرة ينخفض كلما زادت الخطوات، ثم تبدأ الفائدة في الاستقرار عند مستوى يختلف بحسب العمر:

  • لمن تجاوزوا الستين: تستقر الفائدة تقريبًا عند 6 إلى 8 آلاف خطوة يوميًا.
  • لمن هم دون الستين: تستقر تقريبًا عند 8 إلى 10 آلاف خطوة يوميًا.

ومعنى ذلك أن من يمشي 3 آلاف خطوة اليوم لا يحتاج إلى القفز إلى 10 آلاف غدًا. فكل ألف خطوة إضافية لها قيمتها، والمكسب الصحي الأكبر يحققه من ينتقل من الخمول الشديد إلى حركة معتدلة، أكثر مما يحققه من يضيف ألفي خطوة إلى يوم نشيط أصلًا.

وإن كنت تفضل الدقائق على الخطوات، فتوصيات منظمة الصحة العالمية تتحدث عن 150 إلى 300 دقيقة أسبوعيًا من النشاط المعتدل للبالغين، أي 30 دقيقة من المشي السريع في 5 أيام من الأسبوع كحد أدنى.

كيف تعرف أن مشيك سريع بما يكفي؟

عُدّ خطواتك لمدة 30 ثانية، ثم اضرب العدد في 2. تشير أبحاث إلى أن نحو 100 خطوة في الدقيقة تمثل بداية الشدة المعتدلة لدى أغلب البالغين. وإن لم ترغب في العد، فالعلامة البسيطة أنك تستطيع التحدث بجمل كاملة، لكنك لا تستطيع الغناء.

الفائدة الأولى: قلب يعمل بجهد أقل وضغط أهدأ

أول فوائد المشي للجسم وأوضحها تظهر في القلب والأوعية الدموية. فالمشي السريع المنتظم يحسّن مرونة جدران الأوعية، ويساعد على خفض ضغط الدم، ويحسّن مستويات الدهون في الدم، ويرتبط بانخفاض خطر أمراض القلب والسكتات الدماغية.

والأجمل أن القلب يتكيف مع الوقت؛ فيضخ كمية أكبر من الدم في كل نبضة، ويحتاج إلى نبضات أقل لأداء المهمة نفسها. ولهذا يلاحظ كثير من المنتظمين على المشي أن نبضهم في وقت الراحة صار أبطأ مما كان.

وحتى تحصل على هذه الفائدة كاملة:

  • اجعل نصف مشيك على الأقل بإيقاع سريع، فالتنزه البطيء مفيد، لكنه لا يكفي وحده لتحدي القلب.
  • وزّع المشي على أغلب أيام الأسبوع، بدل حشره كله في يوم الإجازة.
  • إن كنت تتناول أدوية للضغط أو القلب، فالمشي مكمل للعلاج، ولا تغيّر جرعاتك دون الرجوع إلى طبيبك.

الفائدة الثانية: سكر الدم يهدأ بعد الوجبات

بعد كل وجبة يرتفع سكر الدم، والعضلات العاملة تستطيع سحب جزء منه لتستخدمه وقودًا، دون أن تحتاج إلى الكمية نفسها من الإنسولين. لذلك وجدت دراسات أن المشي بعد الأكل، حتى لدقائق قليلة، يخفف ارتفاع السكر مقارنة بالجلوس أو الاستلقاء.

وفي بيئة ينتشر فيها السكري، وتدور فيها الحياة الاجتماعية حول موائد عامرة بالأرز والتمر والحلويات، تصبح هذه الدقائق عادة ذهبية تستحق أن تتمسك بها. وهذه طريقة تطبيقها:

  1. ابدأ المشي خلال نصف ساعة تقريبًا من انتهاء الوجبة.
  2. امشِ 10 إلى 15 دقيقة بإيقاع مريح، فلا حاجة إلى السرعة بعد الأكل.
  3. إن لم تستطع الخروج، فامشِ داخل البيت، أو في ممر العمارة، أو اصعد الدرج وانزله ببطء.
  4. اجعلها عادة عائلية بعد العشاء، فالأطفال يحبون المشي أكثر حين يرون الكبار يفعلونه.
  5. إن كنت مصابًا بالسكري وتستخدم الإنسولين، فراقب مستوى السكر، واستشر طبيبك في التوقيت الأنسب لك.

الفائدة الثالثة: مزاج أخف وقلق أقل

تبدأ فوائد المشي النفسية من اللحظة التي تغلق فيها الباب خلفك. فالحركة الإيقاعية، وتغيّر المشهد، وتنفس الهواء، كلها تقطع دائرة التفكير المتكرر التي تغذي القلق.

وقد قارنت مراجعات علمية حديثة أنواعًا مختلفة من النشاط البدني، ووجدت أن المشي والركض الخفيف من أكثرها ارتباطًا بتخفيف أعراض الاكتئاب، إلى جانب اليوغا وتمارين القوة. وفي دراسة أخرى، انخفض التفكير السلبي المتكرر لدى من مشوا في مكان طبيعي أخضر، مقارنة بمن مشوا المدة نفسها بجانب طريق مزدحم.

لكن للأمانة، المشي لا يحل محل العلاج النفسي أو الدوائي حين تكون الأعراض شديدة أو مستمرة؛ فهو شريك ممتاز للعلاج، وليس بديلًا عنه.

تمرين 5-4-3-2-1 أثناء المشي

جرّب هذا الأسلوب في المرة القادمة التي تخرج فيها ورأسك مزدحم بالأفكار:

  1. لاحظ 5 أشياء تراها حولك: لون باب، أو شكل غيمة، أو شجرة لم تنتبه لها من قبل.
  2. انتبه إلى 4 أشياء تحسها: ملمس الهواء، وحذاءك على الأرض، وحركة ذراعيك، ودفء الشمس أو برودة الليل.
  3. استمع إلى 3 أصوات مختلفة من حولك.
  4. حاول أن تميّز رائحتين، مثل قهوة من مقهى قريب أو عشب مسقي حديثًا.
  5. اختم بشيء واحد تشعر بالامتنان له اليوم.

هذا التمرين البسيط يعيد انتباهك من المستقبل الذي تقلق منه إلى اللحظة التي تمشي فيها.

الفائدة الرابعة: أفكار أوضح وحلول لم تخطر ببالك

في تجارب أجرتها جامعة ستانفورد، طُلب من المشاركين اقتراح استخدامات غير مألوفة لأشياء عادية، مرة وهم جالسون ومرة وهم يمشون. وجاءت أفكار أغلبهم أكثر عددًا وتنوعًا أثناء المشي، واستمر جزء من هذا الأثر حتى بعد أن جلسوا مباشرة.

وهذا يفسر لماذا تأتيك أفضل الحلول أحيانًا وأنت في طريقك إلى السيارة، لا وأنت تحدق في الشاشة. ولتستفيد من هذه الفائدة في عملك:

  • حوّل المكالمات الطويلة التي لا تحتاج فيها إلى شاشة إلى مكالمات مشي.
  • حين تعلق في مشكلة، امشِ 10 دقائق دون جوال، ثم عد إليها.
  • سجّل الأفكار التي تأتيك في ملاحظة صوتية سريعة قبل أن تنساها.
  • اقترح على زميلك اجتماع مشي في ممرات المبنى بدل الجلوس في قاعة مغلقة.

الفائدة الخامسة: نوم أعمق دون حبوب

الجسم الذي تحرك في النهار يطلب النوم في الليل بإلحاح أكبر. كما أن التعرض لضوء النهار أثناء المشي يساعد الساعة البيولوجية على التمييز بين وقت اليقظة ووقت الراحة، فينعكس ذلك على سهولة النوم وانتظامه.

  1. امشِ في ضوء النهار صباحًا ولو 10 دقائق، خاصة في الشتاء حين تكون الشمس لطيفة.
  2. اجعل آخر مشي سريع قبل النوم بساعتين تقريبًا، أما المشي الهادئ فلا بأس بتأخيره.
  3. اترك الجوال في جيبك أثناء مشي المساء، حتى لا تطيل الشاشة سهرك.
  4. لا تنتظر نتيجة من الليلة الأولى، فأثر النشاط على النوم يتضح غالبًا مع الانتظام أسابيع.

الفائدة السادسة: مفاصل تتغذى وعظام أمتن

قد يتجنب بعض الناس المشي خوفًا على ركبهم، مع أن الغضروف لا يصله الدم مباشرة، ويعتمد في تغذيته على السائل المحيط به داخل المفصل. والحركة المنتظمة بضغطها وإرخائها المتكرر تساعد على وصول هذا السائل إلى الغضروف.

كما أن المشي نشاط يحمل فيه الجسم وزنه، وهذا يساعد على الحفاظ على كثافة العظام مع التقدم في العمر. وتوصي الإرشادات الطبية كثيرًا من مرضى خشونة الركبة بالمشي المنتظم، لأنه قد يخفف الألم ويحسّن الحركة. وأشارت دراسة شهيرة على مرضى خشونة الركبة إلى أن كل كيلوغرام يخسره الشخص من وزنه يخفف الحمل الواقع على الركبة بما يعادل نحو 4 كيلوغرامات في كل خطوة. ومع آلاف الخطوات يوميًا، يتحول هذا الرقم الصغير إلى راحة كبيرة للمفصل.

وهذه تفاصيل تحمي مفاصلك أثناء المشي:

  • اختر حذاءً يترك مسافة بعرض إصبع تقريبًا أمام أطول أصابع قدمك.
  • جدّد حذاءك حين يتآكل نعله أو يفقد مرونته، ويقترح كثير من المختصين تغييره بعد 500 إلى 800 كيلومتر تقريبًا.
  • ابدأ على الأسطح الممهدة المستوية، مثل مماشي الأحياء وممرات الحدائق.
  • إن كانت ركبتك تؤلمك، فقسّم المشي إلى جولات قصيرة على مدار اليوم.

إذا كان وزنك مرتفعًا

المشي من أنسب الأنشطة لمن يبدأ رحلته وهو يحمل وزنًا زائدًا، لكن البداية تحتاج إلى بعض الحكمة:

  • قِس تقدمك بالدقائق لا بالمسافة، فالسرعة ستتحسن وحدها مع الأسابيع.
  • أجّل المنحدرات والدرج حتى تعتاد مفاصلك المشي على الأرض المستوية.
  • انتبه لاحتكاك الفخذين في الحر، واختر ملابس رياضية تمنع التسلخات.
  • إذا استمر ألم الركبة إلى اليوم التالي، فقلّل المدة دون أن تتوقف تمامًا، ثم زدها تدريجيًا.
  • جرّب المشي داخل المسبح إن توفر لك، فالماء يحمل جزءًا كبيرًا من وزنك ويخفف الضغط على المفاصل.

الفائدة السابعة: ذاكرة تقاوم مرور السنين

تابعت دراسة مجموعة من كبار السن التزموا ببرنامج مشي منتظم لمدة عام، وقاست حجم منطقة الحُصين في الدماغ، وهي منطقة مرتبطة بالذاكرة وتنكمش عادةً مع التقدم في العمر. وجاءت النتيجة لافتة: زاد حجم هذه المنطقة قليلًا لدى مجموعة المشي، بينما واصل انكماشه لدى المجموعة التي اكتفت بتمارين الإطالة.

ويرتبط النشاط البدني المنتظم عمومًا بصحة أفضل للدماغ مع التقدم في السن. وهنا تظهر فرصة إنسانية جميلة: خذ والدك أو جدتك في مشية قصيرة بعد صلاة المغرب، واختر مسارًا فيه مقاعد للراحة، وتحدثا عن أي شيء. ستمنحهما حركة مفيدة، ووقتًا يفتقدانه معك.

3 طرق تحوّل المشي العادي إلى تمرين حقيقي

المشي المتقطع على الطريقة اليابانية

طوّر باحثون في اليابان أسلوبًا بسيطًا يرفع لياقة القلب والعضلات دون ركض: 3 دقائق من المشي بسرعة تجعل الكلام صعبًا، ثم 3 دقائق بإيقاع بطيء، وتكرار ذلك 5 مرات. أي نصف ساعة كاملة، مناسبة جدًا لكبار السن ولمن لا تحتمل ركبهم الجري.

المشي الصاعد

الصعود يرفع المجهود دون أن تحتاج إلى زيادة السرعة. استخدم درج البيت أو العمارة، أو ارفع ميلان جهاز المشي تدريجيًا، أو اختر في رحلاتك مسارات فيها صعود خفيف.

المشي بحقيبة خفيفة

ضع في حقيبة ظهر مريحة وزنًا بسيطًا، مثل قوارير ماء أو كتب، وابدأ بوزن صغير جدًا مقارنة بوزن جسمك، ثم زده تدريجيًا. وتجنب هذه الطريقة إن كنت تعاني من مشكلات في الظهر أو الركبتين قبل استشارة مختص.

أين ومتى تمشي في السعودية دون أن يهزمك الجو؟

  • في الصيف: قبل شروق الشمس، أو في المولات والممرات المكيفة، أو على جهاز المشي في البيت.
  • في الشتاء والربيع: الوقت الذهبي لمماشي الأحياء والحدائق العامة والكورنيش.
  • في الإجازات: مسارات الطبيعة في المرتفعات والمصايف ذات الأجواء المعتدلة، مع تجهيز الماء والحذاء المناسب.
  • في رمضان: بعد الإفطار بساعة تقريبًا، أو في الوقت الممتد بين التراويح والسحور.
  • ليلًا: ارتدِ ملابس فاتحة أو عاكسة، وامشِ في مواجهة السيارات إذا اضطررت إلى المشي على جانب طريق بلا رصيف.

خطة شهر لمن لا يمشي أبدًا

اجعل المشي اليومي موعدًا ثابتًا، لا مهمة تنتظر الفراغ. وهذه خطة متدرجة لا ترهق المبتدئ:

  1. الأسبوع الأول: 10 دقائق يوميًا بإيقاع مريح، ولو داخل البيت.
  2. الأسبوع الثاني: 15 دقيقة يوميًا، منها 5 دقائق بإيقاع سريع.
  3. الأسبوع الثالث: 20 إلى 25 دقيقة، نصفها سريع، مع مشي قصير بعد العشاء.
  4. الأسبوع الرابع: 30 دقيقة في 5 أيام، وجرّب حصة واحدة من المشي المتقطع الياباني.

مشية الليلة: ادعُ أحدًا معك

أغلب الفوائد السبع التي قرأتها لا تحتاج إلى اشتراك، ولا إلى ملابس خاصة، ولا إلى جهاز. تحتاج فقط إلى حذاء مريح، وباب تخرج منه.

وإن أردت أن تضاعفها، فادعُ أحدًا معك الليلة: والدتك، أو صديقًا انقطع التواصل بينكما، أو طفلك الذي يقضي المساء أمام الشاشة. فالمشي مع من تحب يجمع فوائد رياضة المشي كلها في نصف ساعة: قلبًا أقوى، وذهنًا أصفى، وحديثًا كان ينتظر فرصة ليُقال. 

إرسال تعليق

0 تعليقات